ابن أبي الحديد

411

شرح نهج البلاغة

الشرح : المساك ، بكسر الميم : ما يمسك ويعصم به . وقوله : ( ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ) يحتمل وجهين : أحدهما : أن يريد ( بامتثله ) مثله ، كما تقول صنعت واصطنعت بمعنى ، فيكون التقدير أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ، ثم احتذى ذلك المثال ، وركب العالم على حسب ترتيبه ، كالصانع الذي يصوغ حلقة من رصاص مثالا ، ثم يصوغ حلقة من ذهب عليها ، وكالبناء يقدر ويفرض رسوما وتقديرات في الأرض وخطوطا ، ثم يبنى بحسبها . والوجه الثاني : أنه يريد بامتثله احتذاه وتقبله واتبعه ، والأصل فيه امتثال الامر في القول ، فنقل إلى احتذاء الترتيب العقلي ، فيكون التقدير أنه لم يمثل له فاعل آخر قبله مثالا اتبعه واحتذاه وفعل نظيره ، كما يفعل التلميذ في الصباغة والنجارة شيئا قد مثل له أستاذه صورته وهيئته . واعلم أن هذا أحد الأسئلة التي يذكرها أصحابنا في باب كونه عالما ، لأنهم لما استدلوا على كونه تعالى عالما بطريق إحكام العلم وإتقانه ، سألوا أنفسهم فقالوا : لم لا يجوز أن يكون القديم سبحانه أحدث العالم محتذيا لمثال مثله ، وهيئة اقتضاها ، والمحتذي لا يجب كونه عالما بما يفعله ، ألا ترى أن من لا يحسن الكتابة قد يحتذى خطا مخصوصا ، فيكتب قريبا منه ، وكذلك من يطبع الشمع بالخاتم ثم يطبع فيه مثال الخاتم ، فهو فعل الطابع ، ولا يجب كونه عالما . وأجاب أصحابنا عن ذلك فقالوا : إن أول فعل محكم وقع منه ، ثم احتذى عليه يكفي في ثبوت كونه عالما ، وأيضا فإن المحتذي ليست العالمية بمسلوبة عنه ، بل موصوف بها ،